يومية - سياسية - جامعة

الموبايل.. فرد من العائلة

لم يعد اقتناء التليفون المحمول ترفاً؛ بل أصبح أحد أعمدة الاستقرار في الأسرة المصرية، فمنذ أقل من عشر سنوات بدأ استخدام التليفون المحمول في مصر ولم يكن متوافراً سوى لشريحة واحدة وهى "رجال الأعمال" وذلك لأسباب عديدة على رأسها تكلفته العالية، لكن من ناحية أخرى لم يخطر ببال الشرائح الأخرى حاجتهم الملحة إليه لدرجة أن يخاطروا بالتورط في نفقاته المرتفعة. سنوات قليلة وتطور الأمر بسرعة غير متوقعة، حيث كان من الطبيعي أن تلجأ إليه شرائح أخرى كالإعلاميين بكل تخصصاتهم ثم الأطباء ،…و الخ وأصبح المحمول في يد الجميع .
فى بيتنا محمول
كان البعض يفتخر عندما يكون في الأسرة الواحدة تليفون محمول، وغالباً ما كان يحمله الأب رب الأسرة، وبعد ذلك صارت بعض الزوجات يطالبن به كنوع من الدلال! وبعض الأزواج بادروا بشرائه للاطمئنان على الزوجة.. أو مراقبتها بشكلٍ دبلوماسي.
ورويداً رويداً بدأ المحمول يظهر في يد الأبناء، وأصبح أكثر الطرق الآمنة في التواصل بين المحبين المراهقين، لذا بادر هؤلاء بشرائه بالتقسيط من المصروف الخاص، خاصةً بعد انتشار أنظمة تقسيط خرافية يعجز عن تصورها العقل، وصارت تلك الفئة من أهم الشرائح المستهدفة في سوق المحمول . يقول أحمد سعيد ـ فى الصف الثانى الثانوى – "طلبته من والدي فى عيد ميلادي الماضي، لأن كل أصدقائي لديهم هواتفهم وأنا الوحيد الذي لم يكن يملك واحداً، كما أنني شعرت بالحاجة الشديدة إليه بعدما ارتبطت عاطفياً، وأصبحت أرغب في بعض الخصوصية، لذا قمت بشراء الخط من مصروفي الذي ادخرته، حيث أن والدى مشكوراً اشترى لى الجهاز فقط، أما انا فأنفق على هاتفي من مصروفي الخاص، وليست تلك مشكلة كبيرة لأنه توجد أنظمة عديدة لشركات المحمول وأنا أتعامل وفقاً للشريحة التي تناسبني ".
من ناحية أخرى فقد بدأ بعض الآباء يشترونه لأطفالهم في مراحل الدراسة الابتدائية، إما للاطمئنان عليهم في المدرسة وأثناء تلقى الدروس الخصوصية، أو .. كنوع من المباهاة والتفاخر الاجتماعي، وصارت رنات المحمول تسمع كشيء اعتيادي في ردهات المدارس الابتدائية وفى الفصول .
عن هذا تقول "باكينام رشدى" ـ موظفة فى شركة استثمارية ـ "اشتريته لإبنتى ذات الخمسة أعوام ، لأنني أشتاق إليها كثيراً وهى في مدرستها وأحب أن أسمع صوتها كلما أردت، وقد دربتها على كيفية الإجابة عليه حين تسمع رناته".
أزمة إقتصادية
هوس إقتناء المحمول فى مصر، يتسبب فى ضياع ما يقرب من 8 مليار جنيه سنوياً، تؤثر بالسلب على السيولة الموجودة في السوق المصري، ولا تستفيد منها سوى شركات المحمول التي تستنزف جيوب الشباب والآباء، ويؤثر ذلك أيضا على الاقتصاد تأثيرا سلبيا لأن تلك الأموال موجهة إلى أنشطة غير إنتاجية وتؤثر أيضاً على معدلات الادخار فى البنوك، كما تؤثر بالسلب على ميزانية الأسرة، وذلك في الوقت الذي سرق فيه المحمول أوقات العديد من أفراد الأسرة، فقد أثبتت دراسة ماجستير حديثة في كلية الآداب جامعة بنها، أجرتها "إيمان جعفر" ـ المدرس المساعد ـ فى قسم الاجتماع، أن 19.3% من أفراد الأسر المصرية، يقضون أوقات فراغهم في الثرثرة مع الأصدقاء والأقارب عبر الموبايل.
إستقرار أسرى
ورغم ما يمثله المحمول من عبء على الأسرة المصرية البسيطة، إلا أن غيابه أصبح شيئاً غير مطروحاً، فالأب يمتلكه كوجاهة وكأحد أشكال النفوذ فى الأسرة، فكيف لا يمتلك رب الأسرة هاتفاً محمولاً ؟! ثم الزوجة لأنها ليست أقل من مثيلاتها، والأبناء كل واحد منهم يريد امتلاك هاتفه الخاص، وتعتبر هذه أحد أعمدة استقرار الأسرة ـ من وجهة نظر أفرادها – ذلك أن في استطاعتهم الاطمئنان على بعضهم البعض في أي وقت، أو بالأحرى معرفة مكان كل واحدٍ منهم، كما أنها أحد أشكال الوجاهة الاجتماعية، حيث لم يعد أحد يسأل عن رقم هاتف المنزل، بل يبادرك بطلب هاتفك الجوال، لذا فعدم وجوده يمثل عاراً على الأسرة، باعتبارها أسرة غير راقية .
وصحيح .. أرزاق!

قد يعجبك ايضا