يومية - سياسية - جامعة

السيارات السعودية ورحلة الصيف.. والصيف

 قدوم سيارة تويوتا، على مؤخرتها لوحة بيضاء، كان كفيلاً بتخليص عبدالفتاح محمد ــ وهو سائق تاكسي أجرة ــ من مشكلة «عويصة» عندما تجمع حوله قرابة عشر متسولات في جولة «حوض الاشراف» طالبات منه «حق الخميس»، بالقوة !!
مشاهدة إحدى الفتيات المتسولات لسيارة سعودي وقفت للتو أمام مركز للاتصالات، جعلها تسحب رفيقاتها نحوها بشدة وهي تقول : رزقنا جاء، مالكن من هذا الجاوع » !!رحلة الصيف
خلال فترة الصيف من كل عام، تبدو الشوارع اليمنية مغايرة لماكانت عليه في السابق من حيث نوعية المركبات فيها، سيارات حديثة بألوان الطيف المختلفة، ولوحات بيضاء دونت عليها أسماء لعواصم خليجية، باتت تشكل «موسم رزق» لايعوض لأناس وفئات كثيرة : بائعي القات، الجزارين ، أصحاب الفنادق والملاهي الليلية، مالكي محطات البترول، والشحاتين أيضاً !
وعلى الرغم من قيام أغلب اليمنيين الذين يعودون إلى بلدهم في الصيف باستئجار تلك السيارات من محلات مخصصة لفترات معينة بمبالغ محددة، كحل يجعل الزيارة اكثر متعة وسهولة سياحياً واقتصادياً، إلا أن ضريبة كبيرة يدفعونها هنا عندما يصلون إلى مدنهم، متسببين في الوقت ذاته بجرعة سعرية موقتة لبقية المواطنين هنا عندما ترتفع أسعار الأشياء التي يقبلون عليها، إلى الضعف.
المقوات «معطر» .. ليش ؟!!
تلقائياً، ترتفع اسعار القات إلى أعلى المستويات، وتجد بائعيه قد عودوا ألسنتهم على أرقام زوجية لـ«علاقياتهم» – «10، 20، 30» الف ريال، نطقها في أيام ماضية يبدو صعباً أو نادراً، وطبيعياً جداً بالنسبة لـ «مكفل» يمني في الخليج، جعل من «المقوات» المليء بالقراطيس الطائرة والأتربة، أشبه بسوق تجاري «نسائي» بعطوراته الفاخرة، وقام بدفع المبلغ الباهظ ، ثمناً لـ«باعة القات»، دون مفاوضات مع الطرف الآخر المعتاد على ذلك من زبائنه اليمنيين بثقة عالية وزنط ملكي «مقلد» تجعله بخروجه من «المقوات» محملاً بـ«باغة القات» أشبه بقائد عسكري خرج لتوه من المعركة متأبطاً قبعته بقوة بعد نصر مبين، وتسد ثغرة «عقدة نقص» حين يجعل الأنظار تتجه إليه بوصفه «شيخاً» أو «صاحب سمو» ، بعد أن يكون قد مكث هناك في الغربة طيلة أشهر عاملاً عند عائلات ملكية تنظر إلى «أبو يمن» بنوع من الشفقة ، وتجعل من المقابل الذي يدفعونه لهم مقابل اعمالهم اشبه بـ«زكاة»..
لن يمروا
إن ترك سيارة سعودي في الشوارع اليمنية، يعني ان تدفع ضريبة ذلك مقابل حصولك على مزايا اخرى : ابتسامة رجل المرور الاستثنائية، نظرات النساء المطرزة بالاعجاب، العروض الميسرة لبائعى الفواكه والخضروات المرصوصين على جانبي الشارع بتوصيل مايعجبك إلى خانة السيارة، دون أن تنزل أنت..
المتسولون هم الوحيدون الذين لايرحمون هنا «لن يمروا»، شعار يرفعونه في وجه كل سائق سيارة عليها رقم خليجي، الا بعد دفع «حق الله» أو «حق الغداء» وذلك بعد تطبيق لفارق العملة، حين يرفضون استلام مبلغ تافه يعتقدون ان «مواطناً محلياً» قد يدفع اكثر منه، دون ان يكلف نفسه عناء الجري وراء سيارة فاخرة جعل زملاءه يقولون بأنه «قناص» عندما شاهد تلك السيارة واصطاد سائقها..
سرعة عالية مع «شوية تفاحيط» وصوت فنان خليجي ينبعث من المسجل، الطريقة التي تظهر بها سيارة «الرقم الأبيض» في شوارع المدن اليمنية، كنوع من لفت الأنظار..
مصيدة للمراهقات
صار بإمكان أي سائق لذلك النوع من السيارات ان يستغلها كماء شاء، يشبع بها غروره ونزواته وأشياء أخرى، هو أو أي رفيق له..
فباستطاعة اي شاب ان يتوسل إلى صديقه أو شقيقه الذي يملكها، طالباً منه الحصول عليها لساعات، ليبدأ رحلة البحث عن متعة لاتقدمها السيارات المحلية، ومالكوها.
تتحول السيارات السعودية والخليجية جميعها في هذه الأيام إلى «مصيدة للمراهقات » يجعل من الشباب القاطنين على الدوام يشعرون بالغضب الكبير عليهم ويتمنون طلاء لوحات سياراتهم بـ«اللون الأسود» ورسم عليها صورة عفريت، أو طمس مافيها وكتابة : «مقديشو»، «الخرطوم»، «داكار» !! نظراً لماتشكله من خطر عليهم.
وترتفع مع ذلك تلقائياً أسعار غرف الفنادق السياحية والمراقص الليلية إلى الضعف بسبب السخاء الذي يظهرونه من «بقشيش» خدمات الفندق، إلى «تنقيط» راقصة بأوراق ملونة،لم تلامس مثلها منذ مدة..
سعودي.. ويعبي «نص» !!
الشعور بالغطرسة الزائدة و«الهنجمة» لمالكي السيارات الخليجية لايحافظ على مستواه بنفس القوة التي كانت في البداية إذا طالت المدة التي يقيمونها هنا..
تدريجياً، تبدأ مظاهر «الحراف» تسيطر عليهم وتؤثر على نفسياتهم التي كانت في أعلى درجاتها حين دخلوا المدينة لأول مرة وهم يقودون سياراتهم المحملة بالحقائب، بنظارات سوداء على طريقة «أصحاب السمو» .
لهجتهم تعود إلى ماكانت عليه قبل أن يغادروا أرض الوطن في الرحلة الأولى : يتخلون عن مفردات «مويه»، «أبغى» وتجف قناني العطر التي حملوها حين قدومهم لتتشابه ريحتهم بعد ذلك بالعمال البسطاء.
أطرف المواقف التي يحصدونها، وأحرجها في الوقت ذاته، هي سخرية عامل محطة بترول، حين يطلب منه «سعودي» أن يقوم بتعبئة خزان سيارته نصف دبة بترول، فيقول له : «سعودي وتعبي نص» !!

قد يعجبك ايضا