يومية - سياسية - جامعة

صيف صنعاء.. سفر في جماليات الروح، واستغراق في حديث الأزمنة

يمتاز مهرجان صيف صنعاء السياحي 2007م، بعدة سمات وخصائص، لا تقف عند حدود المكان وخصوصية جمعه بين عبق الماضي وجديد الحاضر، بل بطبيعة ونوعية ما يتضمنه من فعاليات سياحية وتراثية وحرفية ورياضية وفلكلورية، تمزج في روحها بين الأصالة والمعاصرة، وتتجاوز حدود محيطها الصنعاني بتنويعها بين ألوان الطيف الفلكلوري (الحضرمي والتهامي)، ما يكسب المهرجان دون غيره من المهرجانات السياحية التي انطلقت في اليمن مع بداية موسم الصيف- حسب الكثيرين- خصوصية وصفهم له بـ"مهرجان المهرجانات اليمنية".
وفيما يصف مهتمون مهرجان صيف صنعاء السياحي الثاني 2007م، الذي دشنت فعالياته في مساء أسطوري من مساءات صنعاء الناعسة بمسيرة كرنفالية حاشدة لأول مرة بمشاركة الآلاف من رجال وأطفال ونساء، ولم تشهد مثلها صنعاء منذ عدة أعوام، بأنه "سفر في جماليات الروح واستغراق في حديث الأزمنة ".. اعتبر وزير السياحة نبيل الفقيه المهرجان الذي تتبنى وزارة السياحة تنظيمه للمرة الثانية، ويستمر خلال الفترة من (16 يوليو- 16 أغسطس) المقبل، مهرجاناً لعامة اليمنيين.
وقال : إن وزارته تسعى إلى جعل مهرجان صيف صنعاء مهرجان المهرجانات اليمنية، بحيث تنضوي تحته كل المهرجانات الأخرى، وذلك من خلال توسيع حجم المشاركة المحلية والعربية والأجنبية الواسعة في فعالياته ونوعية ما يتضمنه برنامجه من فعاليات ومناشط تراثية وتقليدية وحرفية وسياحية ورياضية نوعية، تعكس تنوع المنتج السياحي اليمني وخصوصية الموروث الفلكلوري والتراثي والحضاري لليمن ككل".
وحسب المنظمون فأن أبرز ما يميز مهرجان صيف صنعاء السياحي الثاني2007م، الذي تتواصل فعالياته حاليا في حديقة السبعين بالعاصمة صنعاء بمشاركة محلية وعربية وأجنبية واسعة، أنه المهرجان الأول الذي يحمل بعدا سياحيا استراتجيا يصب في خدمة السياحة البينية العربية، حيث يستهدف بالدرجة الأولى إشراك وجذب السياح العرب والخليجيين، فضلا عن تنشيط وتشجيع السياحة داخليا وتنميتها.
يضاف إلى ما يميز المهرجان عن غيره من المهرجانات أنه يهدف إلى تنشيط الحراك الاقتصادي التجاري داخل البلاد عبر إشراك عدد كبير من المستفيدين والمتعاملين في فعالياته التسويقية وإعلان المدينة وخارجها أسواقا مفتوحة للتسوق، وتوسيع التوعية الاجتماعية بأهمية السياحة في دعم الاقتصاد الوطني وتوجيه الاهتمام نحو متطلبات تنميتها.
ويكتسب المهرجان أهميته من كونه اختار مدينة صنعاء كمقر للمهرجان، وهي التي جاء اختيارها لعدة اعتبارات، أهمها موقعها على الخارطة التاريخية والحضارية العربية والعالمية كواحدة من أكبر التجمعات السكانية التاريخية المأهولة بالسكان وغير المهجورة وثالث المدن اليمنية المسجلة في قائمة التراث العالمي إلى جانب زبيد وشبام حضرموت، بالإضافة إلى خصوصيتها الثقافية والتراثية بضمها لعدد كبير من المواقع الأثرية والتاريخية، إلى جانب المتاحف والأسواق التقليدية ومعارض المنتجات الحرفية.
كما يضاف إلى خصوصية المكان مناخ صنعاء المعتدل خلال الصيف وحفاوة أهلها بالزوار العرب والأجانب، فضلا عن احتضان مدينة صنعاء العتيقة التي يعود تاريخها إلى (200) عام قبل الميلاد وخطها سام بن نوح عليه السلام، لأكثر من نحو 300 منشأة بين فندق ومطعم ومقهى عتيق، بدأت في الآونة الأخيرة تتنافس فيما بينها وفنادق الخمس نجوم على اجتذاب زوار اليمن من العرب والأجانب من خلال مستوى ما تقدمه من خدمات ومن وجبات ومشروبات على الطريقة الصنعانية اليمنية التقليدية القديمة، بالإضافة إلى ما توفره لزبائنها من متعة معايشة نمط حياة ساكنيها الأصليين قبل 250 عام مضت.
وحسب واقع الحال فأن مدينة صنعاء مثلها مثل أي مدينة وعاصمة عربية كالقاهرة أو دمشق تعج بالحركة والحياة والناس من مختلف الأجناس والجنسيات، وتمكن زائرها من الاختلاط بالبشر، والتعرف على خصائصهم وطبائعهم وأنماط حياتهم المختلفة، بالإضافة إلى أن كونها العاصمة، وما تتمتع به من مزايا، وما تجمعه من خصائص الجديد والقديم والأصالة والمعاصرة، فإنها تقدم للزائر والمقيم فيها عدة مزايا أهمها الاستفادة مما توفره من سلع وخدمات ومتطلبات، تلبي مختلف الميول والأذواق، فضلا عن توفيرها لحرية وسهولة الحركة والتنقل منها واليها وعبرها إلى مختلف المحافظات اليمنية بما تتميز به كل واحده من سمات دون غيرها.
وإلى جانب ما توفره مدينة صنعاء لمرتاديها من حياة تعبق بالتراث والتاريخ، فأنها تمكنه من الاستمتاع والاطلاع عن كثب على حياة ساكنيها المثخنة بالدأب والعمل، وعلى طابعها المعماري الفريد عبر التجوال في أرجاء المدينة القديمة وحاراتها وبساتينها وأسواقها التي تختلط فيها روائح البهارات والتوابل والبن بأريج البخور والطيوب، وتمتزج فيها الأصالة بمسحة التحضر والفخامة ونبض الحياة والحراك النشط .
وتقدم صنعاء القديمة لزوارها في الصيف، إلى جانب انواع لا تعد ولا تحصى من أنواع الفواكه والمأكولات الشعبية الشهية، خدمة التعرف على خصوصية الغناء والفن والموسيقى الصنعاني والرقصات الشعبية عبر مشاركة ساكنيها مقايلهم التقليدية وجلسات السمر والسهر الليلية التي تدار في جلسات وأمسيات موسيقية وغنائية جماعية على إيقاع الأضواء الخافتة، وبنكهة القهوة اليمنية الشهيرة عبر الأزمان.
كما يتسم صيف صنعاء بتنشيط أسواق وتجارة واقتناء التحف والهدايا التقليدية المختلفة من قبل الزوار من مصنوعات يدوية فضية أو حرف تقليدية زخرفية ونقشية ونسيجية، أبرزها الخواتم والحلي والفضيات المرصعة بالعقيق اليماني ذائع الصيت، والاستماع إلى جمال المعلقات الأدبية التي تغنت في صنعاء واقتناء الأعمال الفنية التشكيلية التي حاكت صنعاء عبر أنامل كبار الفنانين اليمنيين ممن سحرتهم صنعاء وافتتنوا بجمالها ولم ينتهوا بعد من مشروعهم هذا طويل الأمد.
وتقدم صنعاء لزائريها من العرب والأجانب فرصة التقاط أفضل أن لم يكن أهم الصور التي تزداد قيمتها أهمية بالنسبة لهم مستقبلا وهي تصور نموذجا فريدا من أنماط الحياة الإنسانية المدهشة ، ولأنواع مهمة من أنواع الزخارف والألوان المعمارية الفريدة في العالم، فضلا عن ما يبعثه التردد على المدينة من شعور عظيم بالارتياح والاطمئنان والسكنية التي تنتاب زائرها بينما يجد نفسه في حضرة التأريخ بكل عظمته وهيبته وجلالته، يستمتع بمشاهدة المدينة وواجهاتها المعمارية الأسطورية، وهي تحيل صباحات صنعاء الناعسة ولياليها الصاخبة إلى حكايات خرافية من قصص "ألف ليلة وليلة".
* فعاليات نوعية:
وعلى عكس بقية مهرجانات الصيف اليمنية المقامة حاليا في عدد من المحافظات والتي تقتصر على تقديم ما يخص المحافظة وطابعها وخصوصيتها، فأن مهرجان صيف صنعاء يشمل كل ما تجود به المدن والمحافظات اليمنية من إبداعات فنية وفلكلورية وتراثية.
يقول المنظمون:" إنهم حرصوا على أن لا تقتصر فعاليات صيف صنعاء على اللون التراثي الصنعاني، بل تشمل إلى جانب ذلك (الحضرمي والتهامي واللحجي والعدني..)" في إشارة إلى اشتمالها على مختلف الفنون اليمنية الأصيلة.
كما يتميز المهرجان بتعدد الفرق المشاركة في فعالياته محلية وعربية وأجنبية،فمن بين الفرق المحلية المشاركة(فرقة الزرانيق التهامية) وفرقة( الرقص الشعبي المتنوعة)، وفرقة(الدان الحضرمية).. فيما تشارك عربيا (فرقة التنورة المصرية) وفرقة التراث الأردنية، وتشارك من بين الفرق الأجنبية(فرقة الوشو الصينية) وفرق الاستعراضات الشراعية والدراجات النارية الفرنسية.
ولا ينفرد المهرجان بعدد المشاركات فيه فحسب بل بعدد المشاركين أيضا، حيث يبلغ عدد المشاركين في صيف صنعاء السياحي من الفرق والمعارض الحرف والرسم المختلفة أكثر من نحو 1600 راقص وفنان وتشكيلي ورسام وعارض، فيما يصل متوسط عدد الجمهور الذي يشهد فعالياته المهرجان اليومية، بعد أن أصبحت بمثابة المتنفس لهم ما بين (3000 إلى 4500 ) شخص يمثلون مختلف الفئات والمراحل العمرية.
ومن ما يميز فعاليات المهرجان أنها الفعاليات الأولى من نوعها التي تترك مساحة كبيرة ضمن برنامجها للأطفال والتعبير عن أحلامهم وآلامهم وتطلعاتهم وقضاياهم، عبر فتح مرسم مفتوح للأطفال وتقديم عدد من عروض مسرح الدمى التي تستحضر شخصيات تاريخية يمنية، فضلا عن عروض سينمائية للأسرة والطفل والمرأة وألعاب استعراضية تقدمها الفرقة الصينية".
ولا تقتصر فعاليات المهرجان على طابع الترفية حيث تشتمل على عدة مناشط ثقافية فنية وتوعوية،إلى جانب الفعاليات الرياضية والاستعراضية المتنوعة، وتقديم العروض البهلوانية لألعاب ومهارات والقوى الخارقة للطيران الشراعي بالقفز من جبل "نقم"، والدراجات النارية تنفذها فرق فرنسية، بالإضافة إلى ألعاب دمى تقدمها فرق أردنية واستعراضات فنية وشعبية وفلكلورية محلية ( حضرمية وتهامية وصنعا نية) تقدمها فرقتي "الدان الحضرمية" و "الزرانيق التهامية"، وحفلات فنية (غنائية طربية وإنشادية توشيحية) يشارك فيها نحو (12) فنان ومنشد من اليمن والخليج.
وحسب البرنامج الزمني فأن أهم ما يميز مهرجان صيف صنعاء أن فعالياته تمتد على مدى شهر كامل بما يترك للجمهور حرية الاستمتاع والمشاركة، في فعالياته التي تراعي إشراك مختلف الأذواق.
كما يعتبر المهرجان الرسمي الأول الذي دشنت بفعالياته في منتصف يوليو الجاري سلسة من مهرجانات الصيف السياحية السنوية الستة الكبرى في اليمن وأبرزها مهرجان البلدة ومهرجان النخيل ومهرجان الخريف ومهرجان عدن للتسوق ومهرجان إب السياحي وقرناو.
ويعد المهرجان بداية توجه جديد للحكومة اليمنية نحو سياحة المهرجانات التي ازدهرت في عدد من دول المنطقة خلال الأعوام الماضية، وكذا أهميتها في مساعي اليمن الرامية لتوظيف واستثمار تنامي حركة السياحة العربية القادمة آليه خاصة من دول الخليج العربي التي شكلت ما نسبته 70 % من إجمالي عدد زوار اليمن العام الماضي.
وسبق لمهرجان صيف صنعاء الذي انطلق موسمه الأول في منتصف يوليو من العام الماضي أن حقق نجاح كبير كونه يأخذ في مضمونه بعدا عربيا وإقليميا وربما دوليا بالنظر لمستوى برامجه وفعالياته المتنوعة ومستوى الإعداد والترتيب والتنظيم.
وحسب الخبراء والمهتمين فان المهرجان يكتسب أهميته السياحية من كونه يعد جزء من مصفوفة متكاملة تعكس بجلاء مختلف جوانب التاريخ والتراث والطبيعة والرصيد الحضاري الذي تمتلكه اليمن.. وهدفه في تنشيط حركة السياحة البيئية من خلال استقطاب المزيد من الزوار العرب خاصة من دول الخليج والجزيرة إلى جانب الزوار الأجانب، وأيضا تحفيز المغتربين اليمنيين على زيارة بلدهم خلال العطلة الصيفية، حيث أن هناك أكثر من خمسة ملايين مهاجر ومغترب يمني يعيشون في مختلف أنحاء العالم، ويتوقون إلى زيارة بلدهم والاستمتاع بالمقومات السياحية التي تزخر بها البلاد وتسليط الضوء على تاريخها وتراثها الثري.
وتعول وزارة السياحة من خلال إقامة هذا المهرجان تحقيق أكبر قدر من الأهداف التي تتضمنها خطتها السياحية، والرامية إلى التسويق لليمن كوجهة سياحية مهمة بعد أن تراجعت معدلات السياحة في اليمن خلال السنوات الماضية نتيجة بعض الأحداث الأمنية، ويعتبر قطاع السياحة من أهم القطاعات التي تعول عليها الدولة في توليد المزيد من فرص العمل وتوفير المزيد من العملات الصعبة، حيث تشير المؤشرات أن نصيب اليمن من حركة السياحة الدولية ما يزال متواضعا بالمقارنة مع إمكانياته وموارده السياحية الهائلة

سبأ

قد يعجبك ايضا