يومية - سياسية - جامعة

20 مارس.. حكايات يمنية

تتسابق الأقلام إلى كتابة التعازي والتنديدات، والقلب مفتوح لمزيد من الآلام والأحزان، نستقبل الفجائع واحدة تلو الأخرى، والعيون لاتزال مليئة بدموع حارقة يبدو أنها لن تنضب قريباً.

«1»

أنهت من تجهيز صغيرها الذي سيذهب أول مرّة لصلاة الجمعة، الثوب الشعبي الجميل والشال الصغير على كتفيه والجنبية الصغيرة التي اشتراها له والده خصيصاً لهذا اليوم.

تأمّلته مبتسمة قائلة له: ها قد كبر ملاكي وسيذهب إلى الجامع لصلاة الجمعة، أدركت لاحقاً أن هذا الملاك لن يكبر مجدّداً؛ حيث ذهب إلى الملائكة مبتسماً، أما هي فلاتزال في حوش المنزل تنتظره ليخبرها بكلمات بريئة ماذا قال خطيب الجمعة..!!.

«2»

للجمعة طقوس خاصة جداً، من الصباح الباكر وهي كخليّة نحل لا تتوقّف عن العمل تجهّز المنزل وتبخّره، وتصنع ألذّ المأكولات لأبنائها وبناتها، فهذا اليوم سيجتمع الأولاد مع أصهارهم وأبنائهم ويحتفلون بـ«عيد الأم» الذي سيكون غداً.

شهراً كاملاً لم تلتِق بأحد أبنائها؛ لأنه كان خارج العاصمة، واليوم صنعت له «المهلبية» الرمضانية التي يحب ونثرت فوقها المكسّرات، انتظرت طويلاً، وما أن طرق باب المنزل حتى هرعت لتجد بناتها الثلاث وزوجات الأبناء، الرجال والأولاد الصغار تركونا نكمل الطريق إلى المنزل ليلحقوا صلاة الجمعة، ليتهم لم يلحقوا صلاة الجمعة..!!.

كل الطقوس، وكل التفاصيل، وكل الألوان باهتة الآن، لم ينجُ سوى أحدهم ولكنه جريح وحالته خطرة.

من غير الممكن أن تكون هذه هدية «عيد الأم» التي وعدوها بها، ولا هذا هو الاحتفال الأسطوري الذي خطّطوا له.

لا تريد هدايا ولا احتفالاً؛ تريد فقط أن تزلزل عرش الرحمن بدعاء رحمة بالبلاد ورأفة بالعباد، وأن ينتقم المنتقم الجبّار لكل أم وابنة وزوجة، لاتزال تتمتم بدعواتها التي لاتزال تصدح في سماء اليمن.

«3»

بعد خلاف استمرّ شهوراً؛ أعادوا إليه زوجته وابنه الصغير، ولكن من يعيد إليها زوجها وابنها الصغير بعد البعد كل هذه الشهور..؟!.

تتوحّد القلوب في ألمها، يصبح الحزن كريماً إلى حد البذخ وهو يلوكنا بين رحى سياسة قذرة وطائفية أقذر، من يمنحها عمراً آخر تستعيد فيه زوجاً رحل وصغيراً رافقه دونما أي اكتراث لما سيحدث لها بعدهما، من يكترث لهذه التفاصيل المؤلمة؛ إنما يكترثون لمصالح وأهداف خاصة ولا يكترثون لدموع الوطن..؟!.

«4»

احترق قلبه شوقاً إليها فقرّر أن يصلّي الجمعة ثم يذهب إلى الغداء معها، هاتفها وقت أذان الظهر ليخبرها أنه مشتاق إليها جداً، وسيأتيها عقب صلاة الجمعة.

انتظرته ولكنه لم يأتِ، كانت وسائل الإعلام قاسية في نقل الأخبار عن انفجار في المسجدين وعدد الضحايا، هي هكذا دائماً القنوات الإخبارية لا تتأنّى في نقل الأخبار رأفة بذوي الضحايا..!!.

علمت من التلفزيون أن ولدها غادرها دون رجعة، لعنة الشوق الذي دفع بها إليها هذه الجمعة دون أي جمعة أخرى.

«5»

انتظرت اتصاله عقب الصلاة ككل جمعة، ولكنه لم يتصل وهي انشغلت بأخبار تفجير مسجدين في صنعاء، انتظرت اتصاله لتخبره بالحدث المفجع وعدد الضحايا ولكنه لم يتصل.

كانت تتصل وهاتفه مغلق ظلّ القلق ينهش فيها والوقت يمرُّ بطيئاً مقيتاً، وكلما حاولت أن تجد له عذراً؛ أتاها إبليس بمائة مصيبة، لم ينتهِ اليوم إلا وقد علمت بأمر قتل الجنود في حوطة لحج حيث ولدها، علمت وأيقنت أنه من لم يمُت بالمسجد سيموت في مقر عمله، فالإرهاب لا يكترث بالأماكن البتّة.

«6»

حكايات يمنية مؤلمة، فالأم تغسل ثوب ولدها وتُلبسه إيّاه وتعطّره وكأنها تغسّله وتكفّنه وتُرسله ليموت، تُرسله وهي لا تعلم أنه لن يعود، ربما لو علمت لمنعته من الذهاب وربما من الصلاة، ربما لكانت ملأت عينيها منه ولم ترمش وهي تحفظ تفاصيل وجهه..!!.

يا الله يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد وحّد قلوب اليمنيين في المحبّة كما وحّدتها في الحزن والألم، يا الله صبّر قلوب الأمّهات والآباء والأبناء والزوجات.

يا الله ارحم اليمنيين واحفظهم، ربِ كُن بهذا الشعب رحيماً، فالألم والحزن قد تكاثر عليه كما تكاثر عليه الأعداء من الداخل والخارج، إنك على كل شيء قدير.

sabaqueen2002@hotmail.com

قد يعجبك ايضا