يومية - سياسية - جامعة

حق الانحياز للحياة

من الذي يريد للحرب أن تستمر؟

الحرب تنقل اليوم نحو مستقبل أشد قتامة من ليل، وأكثر دموية من مسلخ. فوق ذلك، لا يجد الشعب الكسير ما يسدّ به الرمق؛ منافذ مغلقة وقتال مستمر وهلع من اقتراب شبح المجاعة. لقد وصلنا إلى حافة هاوية بلا قعر، وسطوة الموت تتعزّز جوعاً ومرضاً وقتلاً ويأساً من بارقة انفراج تلوح في الأفق. إنها مأساة أكبر من أن تُنقَل بالكلمات، مأساة تتقاذفها أطراف الحرب خارجياً وداخلياً بحسّ زائف من المسؤولية الإنسانية والأخلاقية. هنا تغدو الكتابة المصطفّة، الكتابة المتحيّزة لغير الإنسان وحقه في الحياة الآمنة والكريمة، أحد أوجه الزيف أيضاً.

طالما أجبرت الحرب الكثير من الكتّاب على الاصطفاف إلى جانب طرف، ناهيك عمّن فعلوا ذلك لمجرد المغامرة أو اليأس من رتابة الحياة وقسوتها؛ وليم فوكنر فعل ذلك، جونتر جراس، همنجواي، إميل سيوران… والقائمة تطول. رغم أنهم فعلوا ذلك اصطفافاً مع بلدانهم في مواجهة عدو أجنبي، فقد احتفظ الكبار، مثل هؤلاء وغيرهم، بموقف مناهض للحرب، ولاحقاً صوّروا بشاعتها التي عايشوها عن قرب. كان ذلك زمن مختلف لمفهوم الحرب، أما الآن فقد اكتسبت مفهوماً بارداً أو ما بعد البارد. وبعبارة أقرب: الحرب بالوكالة؛ حيث النار لا تلتهم سوى الإنسان الذي تقرّر الدول الكبرى المتنافسة على النفوذ العالمي، مصير بلده كميدان قتال.

انظروا إلى من يتحدث الآن عن الحرب في اليمن! انظروا إلى من يناقش مستقبل سوريا؛ ولدينا ثلاثة بلدان عربية أخرى ملتهبة، وفلسطين التي نبشت أمريكا جرحها المزمن قبل أن يلتئم، واضعة العرب في أشدّ الحرج. كيف يمكن الكتابة عن «الإنسان المهدور» في هذه اللوثة الكبرى؟

إذا كان أمر المقدّسات من أولويات الدول الإسلامية، وعلى رأسها إيران وتركيا، فلتمد أيديها للعرب، بما في ذلك يد التصالح مع دول الخليج ومصر. ذلك أن هذه اللحظة التاريخية الفارقة، لا يجدر عندها بأكبر قوتين إسلاميتين أن تستمران في منافسة الدول الكبرى على ممرات البلدان العربية والمشاركة في الإضرار بحق شعوبها في البقاء والاستقرار. وقد صرنا نرى الآن أكثر من أي وقت مضى كم بات واضحاً أن استقرار المنطقة العربية هو الأكثر عرضة للخطر، وأن الحرب إذا ما استمرت كخيار أحادي بالنسبة للسعودية والإمارات، فإن تضررهما لن يكون هيناً على منطقة الشرق الأوسط عموماً، وبالمثل، على شرق وشمال أفريقيا.

لكن رغم كل هذه المحاذير من حدوث ما ليس في مصلحة شعوب المنطقة، يجدر بجميع قادتها أن يتوجه انتباههم نحو اليمن، حيث المأساة الإنسانية تتفاقم لتصبح الأسوأ عالمياً بالفعل، وحيث النسيج الاجتماعي يهترئ وعلى وشك التمزّق. نعم إنه على وشك التمزّق إذا ما استمرت الحرب والحصار والمقامرة بما تبقى لليمنيين من سلم اجتماعي وهامش تعايش.

في اليمن، بات ناقوس الخطر يدق بصوت أعلى من أي وقت مضى؛ الجوع ينهش من جهة، الأمراض والأوبئة تفتك بالملايين من جهة ثانية، الحرب تفت العظام كل يوم من جهة ثالثة، والجهة الرابعة أغلقها الحصار، ضارباً بدوره طوقاً حديدياً على بقية الجهات. هل تبقّى من جهات مفتوحة على حياة من أي نوع في هذا البلد؟ من أين نأتي بالكلمات حين يغرس الموت مخالبه في كل شيء؟ شكراً لكم يا قادة العالم العربي والإسلامي!

يكفينا أن يحمل لنا الأثير صوَر قممكم واجتماعاتكم الطارئة، ولا يهمّ إذا ما بقيت جهاتنا مغلقة. بالمناسبة، من أين تأتون بكل تلك الكلمات الرنّانة؟

 

قد يعجبك ايضا